رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:10 PM
http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/batan_t.jpg (http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/batan_t.jpg)
{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ }
بيان صادر عن
..::: كتائب الشهيد عز الدين القسـام :::..
في ذكرى استشهاد الشيخ عز الدين القسام.. كتائبه تواصل المشوار
في هذا اليوم الأغرّ، يفوح عبق الدماء الزكيّة التي سالت في "أحراش يعبد" في جنين، إنها دماء شيخ المجاهدين (عز الدين القسام) الذي خطّ ملامح فجر الثورة على أرض فلسطين، وكان من المجاهدين الأوائل الذين قاوموا بذرة السرطان الصهيوني على أرض الرباط، وقاوم الاستعمار الانجليزي القبيح، فجاء من بلاده سوريا إلى فلسطين المباركة، حاملاً لواء الجهاد والمقاومة، ليكون جهاده بداية مشوارٍ طويل من التضحيات الجسام والمقاومة لمشاريع سرقة وتهويد هذه الأرض الطاهرة.
ونحن في كتائب الشهيد عز الدين القسام في هذه الذكرى، نستلهم من روح شهيدنا الكبير كل معاني الصمود والثبات في وجه الحصار الظالم، ونستقي من سيرته العطرة دروس الجهاد والتضحية والمقاومة وبذل النفس والمال والجهد في سبيل تحرير الوطن من دنس الغاصبين المعتدين.
وقد ربطنا جهادنا منذ انطلاقتنا باسم الشهيد عز الدين القسام لنؤكّد على عدة أمور:
أولاً:الوفاء لهذا المجاهد القائد الذي ترك بلده، وباع بيته ومصاغ أهله، ليشكّل الخلايا السرّية لمواجهة الاستعمار الانجليزي-الصهيوني في فلسطين، وليزرع بذور "حركة القساميين" التي غيّرت مسار التاريخ على هذه الأرض، وامتدّ تأثيرها حتى الآن في هذا الصراع المرير مع الكيان الصهيوني الغاصب.
ثانياً: إسلامية القضية الفلسطينية، وأن تقزيمها في حدود فلسطين خطيئة كبرى، لأنّ التاريخ يشهد بأنّ أمثال الشهيد عز الدين القسام ومن قبله صلاح الدين الأيوبي... وغيرهم الكثير، هم عناوين برّاقة في سماء فلسطين عبر التاريخ، وأن كل محاولات اختصار القضية هي تنكّر للتاريخ العريق وللأمة الحيّة المجاهدة.
ثالثاً: إن التفريط بأي شبرٍ من أرض فلسطين هي جريمة وطنية وأخلاقية تطعن في حضارة ومجد الأمة الإسلامية، وتزوّر التاريخ المشرّف لقادتها العظام ومجاهديها الأوائل.
رابعاً: نقدّم نحن في كتائب القسام أشد العهود والمواثيق أمام الله أولاً ثم أمام شعبنا وأمتنا، أن نظلّ نحمل وصيّة الشيخ القسام، الذي كانت آخر كلماته في خطبته الأخيرة بمسجد الاستقلال بحيفا قوله الخالد: " إلى الجهاد أيها المسلمون.. إنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد " ..
{الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ }
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الثلاثاء 10 ذي القعدة 1428هـ
الموافق 20/11/2007م
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:12 PM
القسام ـ خاص:
وجه أبو عبيدة الناطق الإعلامي لكتائب الشهيد عز الدين القسام كلمة إلى الشعب الفلسطيني في ذكرى استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام قال فيها :
نقول لشعبنا الفلسطيني المجاهد، بأننا على العهد ماضون على درب شيخنا قائد القساميين الشهيد: عز الدين القسام، و نتذكر في يوم استشهاده إسلامية القضيّة، فهذا شيخنا يأتي من بلاده سوريا إلى فلسطين ليؤكّد أن فلسطين هي درة الأمة، وهي جوهر استقرارها وأمنها، و نقول للمفرّطين والمنبطحين في هذه الذكرى بأن دماء القسام ستلعن كل خائن يبيع شبراً من فلسطين، ونحن في كتائب القسام نعاهد الله تعالى أن نظل الأوفياء لدماء شيخنا القسام التي سالت على أرض يعبد، و سنبقى نحمل مشعله نحو النصر المنشود بإذن الله تعالى، وسنرفع شعاره الخالد " إنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد ".
وأضاف أبو عبيدة في حديثة الخاص لموقع القسام نحن نتشرّف بأننا ننتسب إلى الشيخ الشهيد عز الدين القسام، لأن هؤلاء الرجال والأبطال هم الذين تنتسب أمّتنا إليهم، وهم القادة الحقيقيون الذين يعبّرون عن تاريخ وحضارة وضمير الأمة الإسلامية والعربية، ونحن نعلم أن هناك العشرات من القادة العظام والشهداء في تاريخ شعبنا وأمتنا، ومن الأوائل كمحمد جمجوم وعطا الزيز وفؤاد حجازي، وعبد القادر الحسيني وغيرهم الكثير.. لكننا اخترنا اسم الشيخ الشهيد عز الدين القسام لنؤكد على عدة قضايا:
أوّلها: أن قضية فلسطين هي قضية إسلامية لا تقتصر على أهل فلسطين ولا يمكن تقزيمها في حدود ضيّقة بمعزل عن الأمة.
وثانيها: الوفاء لنداءات الشيخ قبل عقود حينما انتدب أهل فلسطين للجهاد وصرخ فيهم بكلماته العظيمة "إنه لجهاد نصر أو استشهاد" وسنظل نحمل هذا الشعار الخالد حتى يأذن الله لنا بالنصر أو استشهاد،
وثالثها: أن التفريط بشبر من أرض فلسطين هو تفريط بالتاريخ والحضارة للأمة الإسلامية ولقادتها العظام.
ووجه الناطق الإعلامي لكتائب القسام كلمة إلى المقاومة الفلسطينية قال فيها : نقول لمقاومتنا الفلسطينية الباسلة.. معاً نحمل الأمانة ونتقدم بالراية نحو تحقيق النصر والتمكين لشعبنا وأمتنا، وفاءً لدماء قادتنا وشهدائنا، لنتعالى على الجراح ولنرفض كل العابثين بدماء الشهداء والخائنين لدينهم وتاريخهم وأمتهم، ولنترك جانباً كل المهازيل الذين لا يقوون على مواجهة أنفسهم بحقيقة الاحتلال و ضريبة مقاومته، أولئك الواهمون الذين يحلمون بالسلام مع الاحتلال ويمنّون أنفسهم بتحقيق الاستقلال عن طريق استجداء الأمم الظالمة، نجيبهم بكلمات شيخنا القسام الذي هتف من على منبر مسجد الاستقلال بحيفا بالجهاد والشهادة والتحدي للمغتصب ، فقد عرف شيخنا الشهيد مبكّرا أسلوب التعامل مع بذور السرطان الصهيوني في فلسطين، وتبعه المخلصون من بعده بحركة "القساميين" التي أرعبت المغتصبين من الانجليز والصهاينة وكانت المثل الأعلى في الثورة والجهاد والمقاومة.
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:15 PM
ولد الشيخ عز الدين القسام في بلدة جبلة بالقرب من اللاذقية سنة 1871 وكان منذ صغره يميل إلى العزلة والتفكير، وفي شبابه رحل إلى مصر ودرس في الأزهر وكان من عداد تلاميذ الشيخ محمد عبده. ولما عاد إلى بلاده عمل مدرسا في جامع السلطان إبراهيم وفي سنة 1920 عندما اشتعلت الثورة ضد الفرنسيين شعارك القسام في الثورة، فحاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء، فرفض ذلك وكان جزاؤه أن حكم عليه الديوان السوري العرفي بالإعدام.
ولجأ القسام إلى مدينة حيفا في 5 شباط 1922 ولجأ معه من رفاق الجهاد الشيخ محمد الحنفي والشيخ علي الحاج عبيد وحتى سنة 1935 لم يكن سكان حيفا يعرفون عن عز الدين القسام سوى أنه واعظ ديني ومرشد ورئيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة حيفا وكان بنظرهم شيخا محمود السيرة في تقواه وصدقه ووطنيته كما كانت منطقة الشمال تعرفه إماما وخطيبا بارعا ومأذونا شرعيا وما جاء يوم العشرين من تشرين الثاني "نوفمبر" سنة 1935 حتى أضحى القسام علما من أعلام الجهاد يتردد اسمه في بلاد فلسطين كلها.
استشهد القسام مع بعض رفاقه وهو يؤدي واجبه في مقاومة السلطة الانتدابية باصطدام مسلح، وهكذا أخلص القسام للثورة التي بدأها وما كان ليرضيه أنه البادئ بالثورة وإنما هي الثورة التي خطط لها وكانت العناوين البارزة في الصحف (معركة هائلة بين عصبة الثائرين والبوليس) و (حادث مريع هز فلسطين من أقصاها إلى أقصاها).
وعلم الشعب لأول مرة أن الشيخ القسام كان قد اعتصم مع إخوانه في أحراش قرية يعبد وكانوا مسلحين ولا يهابون خطر المجابهة مع البوليس ولا عواقبها، إلا أن البوليس كان قد أعد قوة هائلة تفوق عدد الثوار بمئات المرات وكان كقطيع كبير من الجيش مصمما على القضاء على هذه العصابة الإرهابية حسب رأيه فلذلك أحاطت القوات بالمنطقة منذ الفجر ووضع البوليس العربي في الخطوط الهجومية الثلاث الأولى من ثم يليه البوليس الإنكليزي من خلفه، وقبل بدء المعركة نادى أحد أفراد البوليس العربي الثائرين طالبا منهم الاستسلام فرد عليه القسام صائحا "إننا لن نستسلم، إننا في موقف الجهاد في سبيل الله ثم التفت إلى رفاقه وقال موتوا شهداء في سبيل الله خير لنا من الاستسلام للكفرة الفجرة" دامت المعركة القصيرة ساعتين كان خلالها الرصاص يصم الآذان والطائرات المحلقة على ارتفاع قليل تكشف للبوليس موقع الثوار وقوتهم وفي نهاية الساعتين أسفرت المجابهة عن استشهاد القسام ورفاقه الذين معه وهم "يوسف عبد الله الزيباري" و"سعيد عطيه المصري" و"محمد أبو قاسم خلف" وألقى البوليس القبض على الباقين من الجرحى والمصابين.
وقد اكشف البوليس عند نهاية المعركة مع الشيخ ذي اللحية البيضاء والمجندل على التراب بملابسه الدينية مصحفا وأربعة عشر جنيها ومسدسا كبيرا وكان الشيخ نمر السعدي مازال حيا جريحا حيث استطاع صحفي عربي أن ينقل عن لسانه أول الحقائق الخفية عن عصبة القسام وكانت هذه الحقيقة دليلا على أن المجابهة المسلحة هذه كانت بقرار بدء الثورة منهم جميعا.
وعلى إثر معركة يعبد التي استشهد بها القسام وبعدها بعشرين يوما انتهز الوطنيون مناسبة ذكرى احتلال القدس وأقاموا اجتماعا كبيرا في يافا في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1935 اتخذوا فيه قرارات بالثناء على القسام ورفاقه المجاهدين وحث الشعب على المضي على طريقهم الذي رسموه للأمة العربية والإسلامية في فلسطين معلنين أن القسام آمن بشيئين هما العروبة والإسلام وأنه لا سبيل للعرب والمسلمين سوى هذين السبيلين ولا حل لمشكل المسلمين إلا بإعلان الجهاد في سبيل الله ولا حل للقضية لفلسطينية إلا بالجهاد الإسلامي وكانت نظرة القسام إلى الجاه والمركز نظرة بغضاء مطلقا.
منذ أن قدم القسام إلى حيفا بدأ يعمل في الإعداد النفسي للثورة وقد ساعده عدد من المؤمنين بالإسلام ومن هؤلاء الشيخ كامل القصاب وهاني أبو مصلح والأول سوري والثاني لبناني إلا أن القسام تلقن درسا من الحكم العسكري الفرنسي في سوريا أن المستعمرين ملة كفر واحدة ولابد من الجهاد في سبيل الله للتغلب عليهم: وكانت أعماله الخارجية من وعظ وتدريس ستارا لعملية اختيار الصالحين من التلاميذ والمستمعين وكذلك سعى القسام لعقد الصلات مع القرى المجاورة عن طريق مهنته كمأذون شرعي للعقود وهكذا السنوات تمر والأنصار يتكاثرون حتى أذن الله لـه في الثورة والاستشهاد في سبيل الله.
ويرجع المؤرخ أمين سعيد عدم انضمام المثقفين للقسام لأن القسام كان يصرف كل جهده للعمال والكادحين من الفلاحين وغيرهم لأنهم أكثر الفئات انقيادا للتضحية في سبيل الله، وقد عبر عن هذه الحقيقة شاب اسمه حسين الباير الذي استسلم للبوليس إثر المعركة وقال في إفادته الرسمية.
أنا حسين الباير من قرية بلقيس كنت أسرق وارتكب المحرمات فجاءني الشيخ عز الدين القسام وأخذ يهديني يوما بعد يوم ويعلمني الصلاة وينهاني عن مخالفة الشرع وعن فعل كل منكر أمر الله باجتنابه وبعد مدة أخذني الشيخ عز الدين القسام إلى أحد جبال بلقيس وهناك أعطاني بندقية فسألته لم هذه فأجاب لكي تتمرن عليها وتجاهد مع إخوانك المجاهدين في سبيل الله.
ومن هؤلاء أبو دره ( بياع الكاز على الطنبر) وأبو خليل الذي يبيع الفحم والفلاييني الذي يلحم التنك والحديد والذي أصبحت مهنته صنع القنابل البدائية لمهاجة العدو.
ويقول أحد السياسيين الفلسطينين إن ثورة القسام كانت ثورة علينا جميعا شبابا وكهولا إذ كل واحد منا مثقل بعدد كبير من العيال يخاف عليهم من التشريد بعده ولا نشعر أمام ثورته إلا بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه سائلين الله أن ينور قلوبنا بالإيمان.
تألفت الخلايا السرية لعز الدين القسام على شكل حلقات سرية مثل حلقات الأرقم بن أبي الأرقم. خمسة أشخاص مسؤول عنهم (نقيب) وكل خمس وحدات منظمة لها نظامها الخاص والمشرف عليها بمختلف المهمات هو القسام نفسه.
لاقت ثورة القشام حين قيامها تأييدا واحتراماً من الشعب بلغ الحد الأقصى وذلك على الرغم من أنها لم تكن ثورة شاملة بالمعنى السياسي والتاريخي للكلمة ولكن يمكن القول بأنها كانت نموذجا مثاليا لما يجب أن تكون عليه الثورة كما كانت، انطلاقتها انطلاقة عقائدية وشجاعة في مرحلة كاد اليأس فيها يعم البلاد والواقع أن القسام لم تكتشف حقيقة الأبعاد النضالية والسياسية لحركته إلا بعد استشهاده بسنوات، وخاصة لأن رفاقه من بعده استمروا في النضال محافظين على السرية التامة لوحداتهم النضالية.
لم يطلق القسام على خلايا الجهاد التي أنشأها اسما معينا، كان هناك فقط شعار عام ينضوي تحت لوائه المجاهدون وتنطوي تحته كل مفاهيم الثورة هذا جهاد نصر أو استشهاد كما روى عنه إبراهيم الشيخ خليل في كتابه ورسالة من مجاهد قديم: ذكريات عن القسام ثم أصبح يقال للمجاهدين من إخوانه بعد استشهاده "القساميون" وشاعت هذه الكلمة في سائر بلاد فلسطين شيوعا كبيرا لأن اسمه اقترن بهالة من الخلود والتقديس فقد كثر المتبركون باسمه، خاصة لأنه كان واعظا دينيا إضافة للإمامة وخطبة المسجد وأصبح تلاميذه يرددون باعتزاز بأنهم قساميون أما رفاقه المجاهدون فكانوا يستعملون كلمة قسامي فيما بينهم وحتى بعد مرور عشر سنوات على استشهاده أو أن هذا من جماعة القسام.
جاءت هذه التسمية على البلاغات الحكومية والأخبار الرسمية حيث دعتهم بالعصابة الإرهابية لكثرة جهادهم واستشهاد الكثير منهم ولكثرة الإصابات في الجيش والشرطة لقوة هذه العصابة وإخلاصها في الجهاد.
إن المشكلة في عدم تسمية القسام للخلايا السرية التي أنشأها باسم الحزب أو اسم اللجنة أو غيرهما من التسميات الشائعة يضاف إلى هذا السرية التامة عن التنظيم وكان ذلك مدعاة لنفي الصبغة التنظيمية السياسية عن عصبة القسام لدى بعض الناس ومن بين هؤلاء عزة دروزة الذي كان ينفي وجود تنظيم أو حزب للقسام وبالتالي رفض اعتبار عصبة القسام إحدى التنظيمات الفلسطينية السياسية، ومن جهة أخرى مغايرة لتزايد عدد الكتاب من عرب وأجانب في السنوات العشر التي تلت ثورته والذين يكتبون عن عصبة القسام حقائق وتفاصيل لا توجد عادة إلا في أكثر الأحزاب دقة تطورا.
مع أن عزة دروزه ليس مؤرخا فقط بالنسبة لقضية القسام بل كان رفيق جهاد في أثناء الثورة الكبرى فقد كان عزة في دمشق كحلقة وصل بين المفتي المقيم في لبنان وقادة الفصائل التي تتبع قيادة القسام وغيره من قواد فصائل الثورة.
فالتشكيلات السياسية بأهدافها ونظمها المختلفة وأعمالها العلنية والسرية كانت تفتقر إلى الكوادر المنظمة والعمل المتواصل وعصبة القسام كانت من أفضلها تنظيما ودراية ونشاطا حيث تنطبق عليها مقاييس المؤسسات الحزبية الحديثة رحم الله القسام فقد فتح بإخلاصه ودينه طريقا عظيما يخلد فيه كل جيل قادم طريقا كطريق القسام ومنهجا كمنهجه.
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:17 PM
من عز الدين القسام إلى أحمد ياسين
بقلم :عوني فرسخ
لا أحسب أن إطلاق اسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام" على الجناح المسلح لحركة حماس مجرد استلهام لما تختزنه الذاكرة الجمعية الفلسطينية من ذكرى عطرة للشيخ الشهيد عز الدين القسام صاحب المبادرة الاستشهادية المبدعة في أحراش يعبد (قرب جنين) في خريف 1935، وإنما هو في تقديري يعود أيضا لاتخاذ الشيخ أحمد ياسين سلفه المجاهد قدوته في حياته وعلاقاته العامة والخاصة. إذ حين تقارن سيرة الشيخين الشهيدين تتضح أبعاد التماثل الكبير في سيرتيهما، فضلا عن توافقهما في الرؤى والمنطلقات، بل والتماثل الكبير في ظروف استشهادهما وردات الفعل التي أحدثتها أمثولتا الاستشهاد.
فكل من الشيخين عاش وسط أكثر الفئات انسحاقا في المجتمع الفلسطيني، وقدم مثال التمرد على الواقع المأزوم والتطلع لتجاوزه باعتماد الدعوة الجهادية، واضحة الإدراك لطبيعة الصراع مع التحالف الاستعماري-الصهيوني. وكل منهما شغله الشأن العام عن شؤونه الخاصة، ونجح بما أشاعه حوله من صدق الالتزام ووضوح الرؤية في استقطاب تلامذة ومريدين، الاستشهاد في يقينهم سبيل نيل إحدى الحسنيين: تطهير الأرض المقدسة من رجس الغزاة واستعادتها ما عهدته من تفاعل خلاق فيما بين البشر على اختلاف أصولهم وأديانهم ومذاهبهم، أو الارتقاء إلى سجل الخالدين بنضالهم واستشهادهم. وعلى الرغم من محدودية تلامذة القسام ومريديه إلا أن حركته تميزت كيفيا عما كان قائما في فلسطين أواسط ثلاثينات القرن العشرين من تجذر في أوساط فقراء المدن، وبما لا يكاد يتميز عن تجذر حماس في الزمن الراهن.
ولقد كان لاستشهاد القسام ردة فعل جماهيرية تمثلت في موكب جنائزي مهيب في حيفا، حيث حملت نعوش القسام ورفيقي استشهاده: يوسف عبد الله الزيباري وسعيد عطية المصري، على الأكف مسافة خمسة كيلو مترات، اشتبك خلالها المشيعون بالشرطة والجنود البريطانيين دون مبالاة بالرصاص الذي انهال عليهم وتساقط عدد من القتلى والجرحى. وإن كانت عدسات التلفزيون لم تخلد صور مشهد الأمس المهيب بمثل نجاحها بتسجيل مظاهرات الغضب على استشهاد الشيخ أحمد ياسين، التي تفجرت في معظم العواصم والمدن العربية والإسلامية. ولم تخل من القتلى والجرحى في أكثر من موقع. ولم تسلم حتى نيويورك معقل اليهودية العالمية وعرين الصهيونية، من أن يكون لها نصيبها من مظاهرات إدانة جريمة اغتيال الشيخ الشهيد، الأمر الذي لم يتيسر للقسام خارج الدائرة العربية.
ويذكر للزعيم الصهيوني التاريخي "بن غوريون" إدراكه الواعي لاغتيال القسام وتداعياته. وعن ذلك كتب "شبتاي تيبيت"، المؤرخ الصهيوني، في كتابه "بن غوريون والعرب" يقول: تأثر بن غوريون كثيرا من موت الشيخ القسام. إذ كان حتى ذلك الحين على يقين بأن أي زعيم عربي على استعداد لبيع الشعب العربي كله لمصلحته الشخصية. أما الآن فهذه أول مرة يرى فيها أن زعيما عربيا يضحي بنفسه من أجل المبدأ. لذلك سيمنح هذا الحادث العرب قوة أخلاقية غير متوفرة لديهم الآن. بعد ذلك أصبح واضحا لبن غوريون أن هذا الحادث سيجر وراءه حوادث عديدة مماثلة. وأن المئات أو الآلاف الذين على استعداد للتضحية بأنفسهم مثل القسام". كما لم يفت بن غوريون التنبيه إلى أن استشهاد القسام يضع كلا من بريطانيا والحركة الصهيونية أمام نقلة نوعية في الصراع مع عرب فلسطين ومحيطهم القومي، الذي بدأ يعطي تلميحات بأن لا مناص من الدخول في مجابهة مع التحالف البريطاني–الصهيوني.
وفيما يستدل عليه من ردات الفعل الخارجية على استشهاد الشيخ أحمد ياسين، يتضح أنها في الوقت الذي انتزعت فيه من القادة الأوروبيين الإقرار، بما لم يكن يقر به غالبيتهم من حيث مشروعية العمل الفلسطيني المقاوم للاحتلال. إذ لا معنى لقول الرئيس شيراك وغيره من أن اغتيال الشيخ ياسين مخالف للقانون الدولي إذا كان الشيخ الشهيد في نظرهم يمارس دورا إرهابيا. غير أن استشهاد زعيم حماس لم يجد على الجانب الصهيوني نظير بن غوريون في قراءة الواقع العربي، والقدرة على التحرر من النظرة العنصرية للمجتمع العربي وثقافته في استشراف تداعيات عملية الاستشهاد. فشارون تبجح بدوره في عملية الاغتيال، واستقبل إقراره بمسؤوليته التاريخية والأخلاقية عن جريمة الاغتيال بعاصفة من التصفيق في مجلس وزرائه، كما في الكنيست، والذين أيدوا الجريمة قاربوا 61 % في الاستفتاء على ذلك بينما تحفظ عليها 21 %. وفي ذلك كله مؤشر العجز عن إدارك تداعيات استشهاد القائد فلسطينيا وعربيا. وعلى نحو لا يختلف عن عجز الرئيس بوش وأركان إدارته حينما يعتبرون جريمة اغتيال مدني شيخ في مثل حال الشيخ الشهيد دفاعا مشروعا عن النفس!!!
ولم تقتصر ردات الفعل لاستشهاد القسام على الزعامة الصهيونية، وإنما كان لها وقعها شديد التأثير في أوساط الزعامة الفلسطينية في أعلى المواقع. كما يتضح من موقف جمال الحسيني، زعيم الحزب العربي والرجل الثاني في قيادة الحركة الوطنية يومذاك بعد المفتي. إذ بعد زيارته لبيت الزيباري، وما لمسه من فقر عصبة القسام وبؤس عائلاتهم، كتب في "الجامعة العربية" – صحيفة الحزب– يقول: "ثورة القسام ثورة علينا جميعا شبابا وشيوخا وكهولا. إذ يقول كل واحد منا في قلبي إيمان وفي نفسي إخلاص وعزيمة، ولكني مثقل وورائي عائلة كبيرة أخاف عليها إن خرجت أن يتخطفهم الذل والعار والموت، وليس عندي ما يدفع عوادي الزمن. يسمع القسام وصحبه هذا فيثورون عليه ويخرجون... يخرجون عمن؟ عن أعشاش فيها قطع من اللحم كأفراخ العصافير ينتظر كل منها معيله ليلقي في منقاره ما يسد جوعه ويروي عطشه. فيندفع القسام وصحبه من تلك الأعشاش لتثبيت المبدأ، وإحقاق الحق، واعلاء شأن الإيمان. ونحن نرى منهم ذلك لا يسعنا إلا أن نشعر بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه، فندعو الله أن ينير قلوبنا بهذا الإيمان".
ويقينا لو أن جمال الحسيني مد الله في عمره، وأتاح له زيارة بيت الشيخ أحمد ياسين بعد استشهاده، لما اختلف قوله عما كتبه عقب زيارته بيت الزيباري، رفيق القسام في استشهاده. وإن كنت أشك بأن غالبية سكان القصور من خلفاء الحسيني في الصفوف القيادية الفلسطينية الأولى لم تدر في خلدهم، وهم يشاهدون حال بيت الشيخ الشهيد، بعض الذي عبر عنه زعيم الحزب العربي ولا شعروا بتبكيت الضمير، ولا أحمرت منهم الوجوه، ولا دعوا في سرهم أن ينير الله قلوبهم بمثل الإيمان الذي كان يستبطنه خليفة القسام.
وحين طوق القسام وصحبه في أحراش يعبد، قرب جنين، صباح الاثنين العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1935 بنحو 400 شرطي إنجليزي وعربي تصحبهم عناصر من الهاجناه الصهيونية، وطلب إليهم الاستسلام حقنا لدمائهم، قرر الشيخ المجاهد وصحبه صنع أمثولة استشهادية، تشكل رافعة للحراك الوطني وتنتشله من الركود الذي فرضته عليه نزاعات رموزه القائدة، وعليه خاضوا معركة غير متكافئة من حيث عدد الرجال وكفاءة السلاح، فاستشهد القسام وصاحباه، وألقي القبض على جريحين منهم وخمسة آخرين، فيما نجح الشيخ فرحان السعدي وبقية المجاهدين النفاذ من الطوق المحكم بأعجوبة ليشكلوا نواة عصبة القساميين الذين قادوا فصائل الثورة بعد بضع شهور.
ولم يختلف المشهد كثيرا حين توجه الشيخ أحمد ياسين فجر الاثنين الثاني والعشرين من مارس/آذار الجاري لأداء صلاته في المسجد المجاور لبيته، وهو يعرف أن العدو يترصده بطائراته في السماء وعملائه على الأرض، كما قال في أكثر من لقاء تلفزيوني. ولكنه لم يتردد في الخروج، ولا آثر السلامة بالبقاء رهين بيته تحسبا من عواقب الظهور لما لم يكن يجهل انه يترصده. ولكنه كان على يقين تام بأنه مشروع شهيد منذ وضع اللبنة الأولى لمنظمة حماس، وأنه ليس بأفضل من الشباب والصبايا المتسابقين على درب الاستشهاد.
ويقينا أن الواقع بكل أبعاده الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية هو اليوم مختلف كيفيا عما كان عليه يوم استشهد القسام وشكل استشهاده نقلة نوعية في الحراك الوطني الفلسطيني، تمثلت بتفجر ثورة 1936 – 1939 والدور القيادي الذي شغله القساميون فيها. والسؤال المحوري والحال كذلك هل سيشكل استشهاد الشيخ أحمد ياسين مثل تلك النقلة التاريخية، أم أن ذلك صعب تحقيقه في زمن القطبية الأمريكية والعربدة الصهيونية المنفلتة من كل عقال؟
وليس ينكر أن الأمة العربية تبدو لكثير من المحللين الموضوعيين فاقدة المنعة، وأن قدرتها على رفد المقاومة الفلسطينية لا تجاوز التعاطف المعنوي، الذي تجلى في مظاهرات السخط على اغتيال الشيخ الشهيد. كما أن المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة لا يعاني فقط من محدودية إمكانياته وقدراته والحصار المفروض عليه حتى من عمقه العربي والإسلامي، وإنما أيضا من افتقاده استراتيجية إدارة الصراع، ووحدة القيادة، وتعدد الرؤى ووجهات النظر، وعمق وسعة الاختراقات الأمريكية والصهيونية، فضلا عن الضغوط متعددة الهويات والجنسيات. غير أن في هذا الواقع المأزوم أكثر من معطى جدير بالاعتبار.
وأول هذه المعطيات التمايز الكيفي بين ظرف استشهاد الشيخ ياسين عن ظرف استشهاد الشيخ القسام، والذي له دلالته على واقع المقاومة غداة استشهاد الشيخين. وفي القراءة المقارنة ألاحظ أنه حين توجه القسام وصحبه إلى أحراش يعبد لم يكن يجهل حقائق الواقع المأزوم، وما كان يستهدف تفجير الثورة كما ذهب إلى ذلك العديد من مؤرخي سيرته. وإنما كانت غايته محاولة بعث الحياة في الحراك الوطني، الذي ران عليه الركود في أعقاب مظاهرات سنة 1933 نتيجة احتدام نزاعات رموزه القائدة ومدعيه القيادة. وذلك برغم انعدام التناقضات العدائية فيما بينها لكونها جميعا تنتسب لذات الشريحة الاجتماعية وتتقدم لدى غالبيتها الساحقة مصالحها لدى سلطة الانتداب. فكان اليأس من الركود المخيم والمأزق القائم حافز الشيخ القسام لصنع أمثولته الاستشهادية.
وبالمقابل لا يختلف محللان موضوعيان على أن دوافع شارون لارتكاب جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين تتمثل أولا بإدراكه وأركان الجيش الصهيوني عجز آلة حربهم بكل جبروتها عن كسر إرادة المقاومة لدى شعب الصمود والعطاء. وتتمثل ثانيا في تصورهم إمكانية صنع حادثة تنتشل التجمع الاستيطاني العنصري من المأزق متعدد الأبعاد الذي دفعته إليه انتفاضة تمتلك معينا لا ينضب من الاستشهاديين والاستشهاديات. وتتمثل ثالثا في محاولة اجهاض التطور النوعي في الأداء المقاوم الذي جسدته عملية اسدود البطولية وما مثلته من تقدم متنام في عمل كتائب الشهيد عز الدين القسام.
فاليأس في حال الشيخ القسام كان عربيا، وموضوعه الركود المخيم على المجتمع الفلسطيني. فيما اليأس في حال الشيخ ياسين إنما هو صهيوني يتصل بالواقع المجتمعي المأزوم على مختلف الصعد. فضلا عن أن القسام لم تخلفه مؤسسة ولم تكن المقاومة في زمانه بأكثر من أحلام تداعب خيال نفر محدود من العمال الفقراء، والذين لم يكن لهم أدنى اعتبار في نظر صناع قرار الحركة الوطنية الفلسطينية يوم ذاك. والتحديات في زمن عصبة القسام لم تكن بأقل مما تواجهه حماس هذه الأيام. الأمر الذي يعني أن احتمالات تحقق النقلة النوعية المأمولة واعدة، وإن كان على المتطلع لاستشراف احتمالات المستقبل أن يأخذ في حسبانه كامل أبعاد المشهد الفلسطيني، والتي يمكن استعراضها بإيجاز:
فعلى صعيد حماس يحسب في ميزان قدراتها نجاحها في ملء الفراغ القيادي بسهولة ويسر، وما تجلى من وئام القادة الذين تمرسوا بالعمل في حياة الشيخ المؤسس والمرشد الروحي. كما يحسب في ميزان قدراتها نجاحها في ضبط انفعالات عناصرها بحيث لم تقدم على ما كان يتوقعه غير باحث من اندفاع في عمليات ثأرية تكشف العديد من عناصرها في وقت هي غير مستعدة فيه بينما العدو في كامل استعداده، بحيث يتمكن من تحقيق أكثر من ضربة ناجحة. وبعملية ضبط النفس برهنت القيادة الميدانية لحماس على أنها تمتلك كفاءة تحديد نوعية وزمن عملياتها المؤكدة الوقوع.
وعلى صعيد فصائل المقاومة الأخرى يستدل من البيانات الصادرة عنها، أن هناك تحالفا عضويا قائما فيما بين مختلف فصائل المقاومة، وإجماعا على الالتزام بخيار المقاومة، واستعدادا لمواصلة السير على درب الكفاح والاستشهاد، وأن تعدد الفصائل والانتماءات لم يعد مقلقا طالما أن التنافس بات مجاله الوحيد الأداء الأكثر كفاءة في مواجهة العدو.
وعلى الصعيد المجتمعي أوضحت مظاهرات مختلف المدن، والصدامات المتوالية مع قوات العدوان الصهيوني. دون مبالاة بتساقط الشهداء والجرحى، ولا إقامة أدنى اعتبار لتهديدات شارون والإجماع الذي حققه من حوله، أن خيار المقاومة إنما هو الخيار الأكثر شعبية والأوسع قبولا في الشارع الفلسطيني على ارض المواجهة، فضلا عن الأثر المعنوي الذي تركته مظاهرات السخط التي تفجرت في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية.
وعلى صعيد السلطة الوطنية الواضح أن النخبة القائدة لم تفارق بعد نهج أوسلو، بدليل إنها لما تزل تراهن على ما يسمى تجاوزا "عملية السلام" وتنشد الحل عند واشنطن. وذلك في الوقت الذي يجمع عليه المحللون السياسيون الأجانب والعرب على أن شارون وحكومته اسقطوا كل المبادرات باقدامهم على اغتيال مؤسس حماس ومرشدها الروحي، وأن بوش وإدارته باعتبارهم جريمة الاغتيال دفاعا مشروعا عن النفس، يؤيدون كل ما سوف يقدم عليه شارون – وفي الأمرين دلالة قاطعة على أن لا شارون وحكومته ولا بوش وإدارته لديهم أدنى الاستعداد لقبول ما هو دون الاستسلام الفلسطيني الكامل. وهذا ما لا تجهله النخبة القائدة التي بات شاغلها الأول والأخير تأمين مستقبلها الذاتي في زمن تشعر فيه بتسارع تآكل رصيدها التاريخي وتأثيرها المادي والمعنوي على كوادرها الشابة المفارقة خيار المساومة.
وعلى صعيد دعاة "الواقعية" والفهم القاصر لمقولة "السياسة فن الممكن"، فإن في صدور بيان يدعو إلى ما يسمونه "الانتفاضة السلمية" في زمن تصاعد إرهاب الدولة الصهيونية ما يدل على أننا أمام زمرة وقوعية وإن ادعت الواقعية. ذلك لأنه بين الذين وقعوا "بيان السبعين" من لا يشك مطلقا بكفاءته السياسية وقدرته على قراءة معطيات الواقع واستشراف تداعيات إرهاب الدولة الصهيونية. وبالتالي يغدو مبررا القول بأن أصحاب البيان إياه لم يخاطبوا ببيانهم "السلمي" جماهير شعبهم التي جربت الانتفاضة السلمية سبع سنوات انتهت باتفاق أوسلو سيء السمعة، ولا قيادات المقاومة الفاعلة على الأرض، ولا حتى النخبة القائدة التي باتت فاقدة القدرة على التأثير شعبيا،وإنما أرادوا به إعلان براءة مسبق من الفعل المقاوم المؤكد تصاعده، لعل ذلك ما يحفظ لهم اعتبارهم عند صناع القرار في واشنطن والقدس المحتلة.
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:19 PM
عز الدين القسام....درة تاج الجهاد
بقلم: جمانه طه
علقت قلبي فوق شجرة ليمون وأرحت روحي داخل أزهارها، وقلت: لعل الشيخ مشى في هذه الحاكورة البحرية، فتطلعني على بعض ما سمعت من بوح الشيخ وشجونه، وأعرف السر الذي صنع منه قيمة ونهجاً. ماست الشجرة طرباً وكأنها استشفت ما يدور في خاطري، وقالت:
ليس في الأمر أسرار! ومواقف الشيخ لم تكن فيء شجرة ولا استراحة في بستان، وإنما هي صدق قلب، وثبات جنان، وحبٌّ يتفانى في إرضاء الله، من أجل كرامة الإنسان.
أدهشني عمق الجواب وصدقه، وحفزني إلى أن أتقصى مسيرة هذا الرجل الذي لا أعرف عنه أكثر من أنه رجل ورع تقي، خرج من جبلة وذهب إلى فلسطين لمساندة أهلها في مقاتلة البريطانيين والصهاينة.
بعد عودتي إلى بعض المراجع، وجدت أن القسام هذا الفتى –الشيخ انطلق في سماء العروبة مثل شهاب ثاقب، يحمل في ضوئه النور والنار. النور الهادي لأهله وشعبه، والنار الحارقة للأعداء المحتلين أعداء العروبة والإسلام، فصار للأعداء هدفاً، وللأصدقاء ملاذاً.
وإذا كانت الأرض السورية قد أنجبت على مر الزمان أبطالاً يدفعون الأذى عنها وعن الأرض العربية، فإنه من اللافت حقاً أن يولد في بلدة صغيرة وفي مجتمع فقير مادياً متخلف علمياً، فتى مُطَهَّرٌ من وباء القطرية وممتلئٌ غيرة قومية. فتى تؤرقه مشكلات مجتمعه وهموم أمته، فيتخذ من القرآن وآياته جواز سفر إلى الجهاد في سبيل الله من أجل تحرير الوطن وتنقيته من الفقر والأمية والاستعباد.
إن مشاركة عز الدين في محاربة الانتداب الفرنسي على سورية، والوجود البريطاني والصهيوني في فلسطين أمر غير مستغرب.
فسورية وطنه، وفلسطين جزء من بلاد الشام التي هي كل وطنه. ولكن أن يسعى للذهاب إلى ليبيا ومساندة الأشقاء في مقاومة الاستعمار الإيطالي، فهذا كرم ما بعده كرم، وشهامة ما بعدها شهامة، وتفان في سبيل الله والإسلام لا يماثله غير عمل السلف الصالح من أولياء وصديقين. فالقسام حين بادر إلى تجنيد الشباب من جبلة وغيرها من مدن وقرى الساحل السوري، وتدريبهم على حمل السلاح للذهاب معه إلى ليبيا، كان يرغب أن يبعث الروح في حركة الجهاد المبنية على فكرة وحدة الأمة. لكن رغبة الشيخ لم تتحقق، فقد أخلت الحكومة العثمانية بوعدها له ولم تنقل المجاهدين بحراً من إسكندرونة إلى طرابلس الليبية. وكما قيل، لم ييأس الشيخ وإنما تابع المحاولة، حتى تمكن من مؤازرة المجاهدين في الحد الأدنى ونقل إليهم ما تم جمعه من مال وعتاد.
ما سبق ذكره يسوقني إلى التساؤل، عن سبب تقاعس مدينة جبلة عن تكريم هذا الرجل الظاهرة؟.
أليس حَرِيّاً بجبلة وهي تفتخر بانتسابها إلى سلطان الزهاد إبراهيم بن أدهم الذي يثوي في ثراها، أن تفتخر أيضاً بانتسابها إلى شيخ المجاهدين عز الدين القسام، الذي ولد فيها ودرج على مرابعها، وتصبح جبلة العز الأدهمية؟.
يعد عام 1300ه الموافق 1883م عاماً مميزاً في تاريخ السجل المدني في بلدة جبلة، إنه عام ولادة محمد عز الدين بن محمود القسام. الذي ولد في أسرة فقيرة مادياً متواضعة اجتماعياً، ثرية بإيمانها وذكرها الحسن. وحينما شب عز الدين، رغب والده، على الرغم من ضيق يده، أن يرسله إلى القاهرة للدراسة في الأزهر والتبحر في المعرفة وعلوم الدين.
فانطلق اليافع من ساحل جزيرة أرواد على ظهر مركب إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة، حاملاً في ضميره وعداً بالنجاح قطعه لوالده، وفي قلبه محبة وافرة لأهله ورفاقه وبلدته.
أقبل القسام على الدراسة في الأزهر بلهفة العاشق وعقل النابه، وصرف كل يومه متبحراً في أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث، عملاً بوصية الحافظ الخطيب البغدادي الموجهة إلى طالب العلم، قائلاً: "إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة".
وإيماناً بهذه الوصية، أمضى حياته معلماً ومتعلماً، يقيناً منه بأن العلم إن لم يتطور يصبح راكداً، وإن لم يبذل للآخرين فلا قيمة له.
درس القسام في الأزهر علوم الفقه والتفسير والحديث والأصول واللغة العربية، من غير أن يخضع للبرنامج المقرر على غيره من الدارسين. فكان ينتقل من مرحلة إلى أخرى على قدر جهده وتحصيله من العلوم. فهو لم يهدف من دراسته إلى نيل شهادة تدلل على تضلعه في الدين، بل إلى التفقّه فيه وفهم دلالات ألفاظ القرآن والحديث، ليحقق طموحه ويصبح داعية واعياً ومفكراً متنوراً.
عندما شاهد القسام في أثناء وجوده في مصر قسوة الاستعمار الإنكليزي وتسلطه على الشعب المصري وثرواته، ترسخت لديه قناعة بضرورة مكافحة الإقطاع والتخلص من المستعمر لأنهما في رأيه يمثلان وجهين لعملة واحدة، فالظلم إذا شاع وساد يسحق الإنسان ويدمر العمران. وقد ردته هذه المشاهدات غير الإنسانية إلى بلدته جبلة، وذكرته بما يعانيه أهلها من جهل وأمية وتدن في الأوضاع الاقتصادية.
ولأنه يرى في العلم السبيل الوحيد لتنمية الثقة بالنفس، وللتحرر من الاستغلال الاجتماعي ووباء الذل والمسكنة، بدأ بعد عودته من الأزهر إلى جبلة، مسيرة تحرير الأطفال والعمال والفلاحين من الأمية، يعلمهم أصول القراءة والكتابة ويرشدهم إلى فضائل الدين ومنهجه الاجتماعي السليم.
وما يؤسف له أنه لم يستطع أن يحقق ما كان يطمح إليه، على الرغم من الجهود التي بذلها في هذا المجال، لأن يداً واحدة لا تصفق، ولأن صوته الجريء أزعج الإقطاع، فضاق به وحقد عليه وحاول نفيه إلى إزمير. هذا عدا الأعراف والتقاليد التي تسيطر على الناس، ويصعب اقتلاعها أو حتى تشذيبها.
وهرباً من الحصار والإخفاق قرر القسام السفر إلى الآستانة، وفي نفسه رغبة تحدوه إلى مزيد من التعلم والإطلاع على الجديد من الآراء والأساليب المتبعة في الدروس المسجدية.
فإذا كان الجهاد بالسلاح هو همه الأول، فإن همه الثاني هو تخليص الدين من البدع والشوائب التي شوهت وجهه، بفعل الجهل حيناً والإساءة المقصودة أحياناً كثيرة. لكن مقامه في الآستانة لم يطل، لما لقيه من أمية الناس وعدم معرفتهم اللغة العربية وجهلهم تعاليم الدين حتى البديهي منها. فرجع إلى جبلة وفي نيته البدء من جديد، ففتح مدرسة يدرس فيها اللغة العربية وعلوم الدين، في النهار للأطفال واليافعين وفي المساء للكبار. وفي جامع السلطان إبراهيم يعطي لمن يرغب دروساً في الحديث وتفسير القرآن. في حين جعل حديثه في خطبة الجمعة مقتصراً على حث الناس وتنبيههم إلى ضرورة التعاون والمحبة والعمل المثمر للتغلب على الفقر والبؤس، وعلى توضيح بعض المسائل التي استعصى فهمها عليهم. فكان بهذا العمل المكثف، يعبر عن احتجاج صامت على تردي الأوضاع في المجتمع، من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية.
إن انغماس القسام في التعليم والعمل الاجتماعي، لم يحجبه عن ممارسة دوره الريادي في محاربة الاستعمار. فبعد الاحتلال الفرنسي لسورية والبريطاني لفلسطين، أحسَّ أن فرصة الجهاد جاءت تسعى إليه. ولا سيما أنه متأثر بأحمد عرابي ومواقفه النضالية في تحرير أرض مصر من دنس الاستعمار البريطاني. وبآراء المصلح المتنور جمال الدين الأفغاني الذي يقول:
"لسنا نعني بالخائن من يبيع بلاده بالنقود، ويسلمها إلى العدو بثمن بخس أو غير بخس، وكل ثمن تباع به البلاد فهو بخس. بل خائن الوطن من يكون سبباً في خطوة يخطوها العدو في أرض الوطن، بل من يدع قدماً لعدو تستقر على أرض الوطن، وهو قادر على زلزلتها". فاتخذ القسام من هذه المقولة تميمة حفزته على إعلان الجهاد ومتابعته.
كان القسام صديقاً للشيخ محمد كامل القصاب، وملازماً له، وقد ساعده بتأمين حاجات الثورة ضد الفرنسيين، الرجال من أهل فلسطين والعمال من المصريين الذين يعملون في حيفا، ومن أهل بلدته جبلة. وعندما ذهب إلى الساحل وأشعل الثورة هناك، باع بيته في جبلة ونقل أسرته إلى الحفة، واشترى بثمن البيت سلاحاً. ودعا كل من يقدر على شراء السلاح أو على حمله إلى الجهاد ومقاومة الوجود الفرنسي في المنطقة الساحلية. وقد تعاون ونسق عمليات الجهاد مع الشيخ صالح العلي والشيخ عمر البيطار في الساحل، ومع الشيخ نافع الشامي وأبيه في إدلب.
وعلى الرغم من الفاقة المادية الخانقة التي كانت تكبل الناس وتحطم معنوياتهم، وتشغلهم عن أي رغبة في التحرر، استطاع القسام بأسلوبه الإنساني وخطبه الحماسية ودروسه الدينية، أن يوقد في قلوب الناس شمعة النضال ويحضهم على مقاومة الشر في النفس وعلى الأرض. وكانت ثورته، الشرارة التي أججت الثورة في منطقة صهيون.
وحينما ارتفعت وتيرة مقاومته هو ورفاقه، ضيق الفرنسيون عليهم الخناق، ووضعوا مكافأة مالية لمن يدل على مكانه أو يمسك به. وعندما عجزوا عن استمالته بالترغيب وعن استسلامه بالترهيب، أصدروا عليه غيابياً حكماً بالقتل.
فترك منطقة الساحل، ولجأ هو ورفاقه إلى جبال صهيون وجعلوها ميدان جهادهم.
وعندما تمكن الفرنسيون من معرفة موقعهم، هاجموهم وقتلوا عدداً منهم وفرقوا شمل الباقين. فضاقت الدنيا بالشيخ، ولم يكن أمامه بدٌّ من مغادرة سورية إلى فلسطين. فعبر الأرض اللبنانية البرية والبحرية، وحط رحاله أولاً في عكا، ثم انتقل منها إلى حيفا التي كانت قاعدة الأسطول البريطاني وترسانة أسلحته. ومن جديد استأنف رحلة النضال العلمية والجهادية، فعلَّم الدين واللغة للعمال والفلاحين، وعمل على تحسين أحوالهم المعيشية.
في حيفا خطب في عدد من جوامعها، واستقر في جامع الاستقلال وتولى شؤونه. فكان يبصر الناس بما يبيته اليهود لهم من شر وتدمير، ويحرك فيهم همة الجهاد ويستنهض في أرواحهم شرف الاستشهاد، ويذكرهم بما يخطط العدو لفلسطين، ويقول لهم: "اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء شعب فلسطين، والسيطرة على البلاد، وتأسيس دولتهم".
له درك يا شيخ المجاهدين، كم كانت رؤيتك نافذة، وكم كان حدسك صائباً!
ترى لو بقيت حياً إلى اليوم، هل كنت تضيف شيئاً على ما قلته منذ عقود طويلة من الزمن؟
ومن أعمال القسام الرائدة في فلسطين، أنه استطاع بعد عمل شاق أن يؤسس أول تنظيم جهادي حقيقي، قوامه العمال في المدن والفلاحون في الأرياف. هذه البذرة الطيبة التي أنبتها في أوساط الشعب الكادح، أعطت أكلها في معركة يعبد وفي غيرها من المعارك والهجمات، وأوقعت هزائم في جيش العدو وهددت أمنه.
في عام 1935م استشهد عز الدين القسام، واستمر التنظيم الذي أسسه قائماً عاملاً مدة ثلاث سنوات، من 1936 –1939م، بفضل العمال والفلاحين الذين سموا فيما بعد بالقساميين التزاماً منهم بالإنسان الذي قضى في سبيل قضية مقدسة. فكان لهذا التنظيم دور نضالي بارز في شمال فلسطين، بقيادة خليل محمد عيسى المسمى (أبو إبراهيم الكبير) ومعه: توفيق إبراهيم (أبو إبراهيم الصغير)، ومحمد أبو محمود الصفوري وسليمان عبد الجبار، وعبد الله الأصبح وسواهم. وفي منطقة لواء نابلس، بقيادة الشيخ فرحان السعدي ومعه عبد الرحيم الحاج محمد ويوسف أبو درة ومحمد الصالح الحمد، وسواهم.
لم يكتف القسام بالجهاد المسلح ضد المستعمر والمحتل، ولا بجهاد الموقف ضد الإقطاع، وإنما جاهد بقلمه أيضاً فحارب البدع والضلالات ودعا إلى تركها من أجل تنقية الدين ومفاهيمه. ولا سيما أن تلك الفترة كانت تزدحم بحضور الاستعمار: انتداباً واحتلالاً، والاستعمار في كلا الحالتين يسعى إلى بث التفرقة عن طريق تشويه حقائق الدين وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة.
كتب القسام مع رفيقه الشيخ محمد كامل القصاب رسالة قيمة نادرة كان تأثيرها في الناس كبيراً، عنوانها: "النقد والبيان في دفع أوهام خيزران".
يحاول القسام والقصاب في هذه الرسالة، رد الظلم الذي لحقهما من الشيخ محمد صبحي خيزران الحنفي العكي، حين قوَّلهما ما لم يقولاه بشأن رفع الصوت في الجنازة، وبما يتعلق بصلاة التراويح وعدد ركعاتها ووقت أدائها. وأرادا أن يبصرا الناس بما هو صحيح كي لا يسقطوا في بؤرة البدع التي تبعدهم عن جوهر الدين.
ويبينان في الرسالة بالشواهد والتوثيق من أقوال السادة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، عدم جواز رفع الصوت بذكر أو دعاء في الجنازة. فرفع الصوت وسواه من الحدث في الدين، ومخالف لسنة الرسول (ص)، ويجب على من له قدرة على منع ذلك، أن يمنعه. والأصل المشروع هو الذكر الخفي، عملاً بقوله تعالى: )واذكرْ ربَّكَ في نَفْسِكَ تضرعاً وخِفْيَةً وَدُنَ الجَهْرِ مِنَ القولِ( /سورة الأنفال، 205
ويدعمان رأيهما بقول الإمام النووي: "إن الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السر مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما. لأنه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذه الحال.([2])
ويشيران إلى أن الإمام البركوي يأخذ على العلماء سكوتهم عن البدع، وإنكارهم المحرم فقط. لأن البدعة في العبادة وإن كانت دون البدعة في الاعتقاد، هي منكر في دين الله، وضلالة يجب تركها. وتنطوي البدعة، كما يقول القسام والقصاب، على معنيين:
"معنى لغوي عام هو المحدث مطلقاً، عادة أو عبادة، لأنها من الابتداع بمعنى الإحداث، كالرفعة من الارتفاع والخلفة من الاختلاف. ومعنى شرعي خاص، هو الزيادة في الدين أو النقصان منه."([3])
وبعد طول نقاش وتفنيد، يقولان: "لم يفتر أحد على الله الكذب، فقد قلنا ما قاله الأئمة من علماء المذاهب الأربعة، ولم نكذب على الرسول صلوات الله عليه، حين ندخل في هذا أو تلك. وإنما يدخل فيهما من حاول أن يؤيد البدع بتأويل الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، على حسب هواه."([4])
وعلى هذا، "فإن الجهر بالذكر مع الجنازة بدعة، لعدم ورودها عن الصدر الأول والسلف الصالح"([5])
وعن الخلاف حول صلاة التراويح، يظهران عجبهما من تجرؤ الشيخ خزيران على الدين، ونقله أموراً لا صحة لها حول هذه الصلاة، حيث يصرح:
"بأن الأمة الإسلامية من عهد عمر إلى يومنا هذا، متفقة على كيفية صلاة التراويح المعمول بها الآن، وهو أنها بالإجماع عليها، وأنها في أول الليل، وأنها في العدد الذي يصليه المسلمون الآن في مساجدهم مع أنه لم يقل بهذا الاتفاق أحد."([6])
لكن رأيهما، كما فهمت، يميل إلى عدم التضييق على الناس في صلاة التراويح من حيث عدد الركعات ومدة القراءة، طولاً أو قصراً، وزمن الأداء، ومكانه جماعة في المسجد أو انفراداً في البيت. وقد استقيا قولهما هذا من الأحاديث المروية عن الرسول، ومن أقوال العلماء والفقهاء. فقد أخرج البخاري، وغيره عن السيدة عائشة، أنها قالت "ما كان النبي (ص) يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة."
وقال الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين): "واختلفوا في أن الجماعة فيها، أي صلاة التراويح، أفضل أم الانفراد؟ فقيل: إن الجماعة أفضل لفعل عمر (ر)، ولأن الاجتماع بركة وله فضيلة بدليل الفرائض، ولأنه ربما يكسل في الانفراد وينشط عند مشاهدة الجمع. وقيل: الانفراد أفضل لأن هذه سنة ليست من الشعائر كالعيدين. ويوافق الغزالي ما قاله عمر (ر) بأن الجماعة أفضل.
وينقل القسام والقصاب عن الإمامين الشوكاني والنووي، اللذين يقولان باتفاق العلماء على استحباب القيام بها جماعة. لكنهما يذكران أن مالكاً وأباً يوسف وبعض الشافعية وغيرهم، قالوا: الأفضل صلاتها فرادى في البيت لقول الرسول (ص): "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة."([7])
من هذا العرض السريع لبعض ما جاء في الرسالة، نتبين أن الذي دفع القسام إلى المشاركة في كتابتها هو صدقه مع نفسه ورغبته في توعية الناس وتنويرهم، وحضهم على الابتعاد عن البدع في الدين، كي تكون عبادتهم لله خالصة من كل شائبة، فقد رفض القسام الذاكرة الجاهزة، ووقف ضد الصورة القارة في أذهان الناس.
هذا هو عز الدين القسام. رجل عاش رؤية الدين ومفهومه للجهاد، فنذر روحه وزمنه لهذا المفهوم ولتلك الرؤية، وتماهى بهما وجداناً وجسداً. رجل وطني رائد في وطن محتل، معلم في مجتمع جاهل مظلوم، جريء أمام غاز طامع، صريح في محاربة البدع والترهات.
إنه عز الدين القسام، الذي غاب جسداً وبقي فكراً ونهجاً وممارسة.
وصدق فيه قول الشاعر فؤاد الخطيب:
ما كنتُ أحسبُ قبلَ شخصك أمةً
في بردتيه يضمُّها إنسانُ
لم يثن عزمَك والكتائبُ شمرتْ
نصلٌ يشبُّ توقداً وَسِنانُ
هو صيحةٌ ملأ الفضاءَ دويُّها
فَسَلِ العروبةَ هلْ لها آذانُ
أَوْلتْ عمامتُك العمائمَ كلّها
شرفاً تقصرُ عندها التيجانُ
وجعلتَ لاسمِ الشيخِ أرفعَ رتبةً
نبذتْ قديَم عهوِدها الأوطانُ
يا حصنَ يعربَ في ثراكَ موسدٌ
نعمَ الضحية عنكَ والقربانُ
المراجع:
1-عز الدين القسام: شيخ المجاهدين في فلسطين /تأليف محمد محمد حسن شُرّاب، دمشق:
دار القلم، ط1، 2000، سلسلة أعلام المسلمين (77).
2-الوادي الأحمر: صفحات خالدات من سيرة الإمام عز الدين القسام /تأليف عبد الله الطنطاوي، دمشق: دار القلم، ط1، 2004.
3-النقد والبيان في دفع أوهام خزيران /تأليف محمد كامل القصاب وعز الدين القسام، تحقيق زهير الشاويش، دمشق: المكتب الإسلامي، ط1، 2001.
-----------------------------------------
* باحثة من سورية.
([2]) -انظر ص 32 من رسالة النقد والبيان في دفع أوهام خزيران.
([3]) -نفسه، ص 48.
([4]) -نفسه، ص 46.
([5]) -نفسه، ص 46.
([6]) -نفسه، ص 55.
([7]) -هو في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وصحيح الجامع الصغير
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:20 PM
رجل .. رفع هامات الأمة
تمر ذكرى استشهاد الرجل كل عام مروراً عابراً دون الاهتمام والتقدير اللذين يليقان بمكانته.. ولو أن هناك عقولاً تتدبر حال الأمة الذي بلغ منها الهوان مبلغه على أيدي يهود.. لوقفت لذكرى هذا الرجل احتراماً.. الزعماء قبل الشعوب.
ولو أن هناك من يحرص على حراسة ذاكرة الأمة بانتصاراتها المجيدة وأبطالها الذين حفروا بدمائهم تاريخاً ناصعاً.. لأصبح يوم التاسع عشر من نوفمبر كل عام عيداً قومياً يجتمع حوله العرب ليكون من الأيام النادرة التي تجمعهم بعد أن فرقتهم الأهواء .. لكن يبدو أنني أحلم حلماً بعيداً.. فالرجل نفسه لو كان حياً لكان على رأس المطلوبين من أنظمة عربية كثيرة إرضاء لليهود، ولتم تصنيفه على رأس قائمة الإرهاب لأنه هو الذي غرس بذرة الجهاد على أرض فلسطين ضد المشروع الاستعماري الصهيوني.. ومن يومها ترعرعت البذرة حتى صارت اليوم شجرة باسقة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. وصارت مستعصية على الاقتلاع.
ففي مثل هذا اليوم.. التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1935م استشهد الشيخ المجاهد عزالدين القسام وهو ممسك بسلاحه ووسط إخوانه يقاوم الاحتلال الغاصب بجسارة منقطعة النظير .. بينما كانت بعض الحكومات العربية تشارك في حراسة المشروع وتخذّل عنه وتسارع للدخول في هدنة تلو الهدنة حتى اليوم.
بين الحين والآخر أتوقف كثيراً أمام شخصية الرجل، كلما سمعت اسم «كتائب الشهيد عزالدين القسام» وأعيد قراءة سطور حياته الناصعة فأخلص إلى نتيجة واحدة وهي: إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى مع العلم من منابعه الصافية النقية مع العمل المخلص لله يصنع رجالاً يعدلون أمماً.. بهم يحيي الله موات أقوام، ويبعث فيهم همة وجسارة وإقداماً، وبهم ينعدل ميزان الحق والقسطاس وبهم تتحرر الأوطان وتصان الأعراض.. وترتفع رايات الإسلام خفاقة.
الرجل كان عالماً ورعاً من علماء سورية «من مواليد قرية جبلة» وداعية من دعاة الإسلام الذين تهتز لهم القلوب قبل المنابر.. كان عالماً عاملاً، وكان من قواد الثورة على الاستعمار الفرنسي، وعندما طارده الاستعمار الفرنسي في سورية غادرها في مطلع عشرينيات القرن الماضي مع شقيقه إلى مدينة «حيفا» في فلسطين وهناك اتخذ من المسجد الكبير مقراً يلقي فيه دروسه اليومية التي تركزت على مشروعية الجهاد في سبيل تخليص الأوطان من الاحتلال، وإعلام المسلمين بأن الجهاد العملي والقتال الصادق هو خير منطق يجابه الأعداء الذين يهاجمون أرضنا ويدنسون مقدساتنا.
ومن هذه الدروس انتقى تلامذته من الشباب والرجال الذين كانوا يلتفون حوله ويتفاعلون مع دروسه وكلماته، وكوَّن أول كتيبة للجهاد عرفتها أرض فلسطين. وانطلق في أوائل عام 1935م من المثلث العربي «جنين ـ نابلس ـ طولكرم» ومن هذا المثلث انطلقت أول شرارة للجهاد ومنه سرت روح الجهاد إلى أنحاء فلسطين، لكن قوات الاحتلال الإنجليزي ومعها الصهاينة سارعوا إلى إطفاء جذوة تلك الشرارة، فحاصروا الشيخ ومعه إخوانه المجاهدين في غابة «يعبد» بمنطقة جنين.. ودارت معركة فاصلة استشهد فيها الشيخ يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1935م..
وذهب القسام إلى ربه شهيداً بعد عام إلا قليلاً من الجهاد، وظن اليهود أنه تم وأد شرارة الجهاد في مهدها، لكن قطرات الدماء التي تفجرت من جسده الطاهر روت أرض «جنين» وسرت من تحت الأرض لتنبت شجرة الجهاد الصلبة وتحولت شرارتها إلى نيران تحرق العدو كل يوم..
لقد استشهد عز الدين في عام 1935م فأشعل استشهاده الثورة الكبرى في عام 1936م التي استمرت ثلاث سنوات ولم يطفئها إلا نداء الزعماء العرب الذين انخدعوا بوعود بريطانيا.
واستشهد عز الدين عام 1935م لتولد من جديد عام 1987م بنفس الاسم «كتائب الشهيد عزالدين القسام» .. التي عدلت الميزان.. ميزان القوة.. وميزان الرعب مع عدو لا تجدي معه إلا القوة.. ولا يرغمه على الاعتراف بحق إلا الرعب.
ألا يستحق الشهيد عز الدين القسام تكريماً يليق به؟! يكفي الرجل أن من يعرف قدره وهم يتكاثرون مع مرور السنين.
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:21 PM
ومضات مشعة من حياة الشيخ عز الدين القسام
بقلم: فهمي خميس شراب
لعل من أهم واجباتنا الوطنية المقدسة في فلسطين الوقوف احتراما وإجلالا لأهم رموز وعناوين الحركات الوطنية الثورية.. واهم معالم الثورة والجهاد في فلسطين والتي بالتأكيد تعتبر من باب الوفاء والإخلاص لمن ضحى بماله وروحه من اجل القضية الفلسطينية... وأيضا الاعتراف بالفضل وعدم نكران الجميل والحقائق التاريخية.. وأيضا تثبيتا للمواقف البطولية ..
ومن ابرز هذه الشخصيات على الإطلاق والتي كان لها دور بارز وفاعل في مرحلة المقاومة في العشرينيات والثلاثينيات هو الشيخ الجليل القائد والمعلم/ عز الدين القسام, 1882المولود في جنوب اللاذقية بسوريا لأب شيخ ومعلم في علوم القران.. وقد درس القسام في الأزهر وتأثر ببعض الشخصيات الإسلامية في ذلك الوقت أمثال الشيخ محمد عبده...وقد تأثر أيضا بالمقاومة المصرية للاحتلال البريطاني آنذاك واستفاد من تجاربها.. كما استفاد من تجارب المقاومة السورية واللبنانية للمحتل الفرنسي ...
وقد فر الشيخ القسام إلى فلسطين بعد أن حكم عليه الاحتلال الفرنسي بالإعدام غيابياً.
ومهما تحدثنا عن مناقب الرجل فبالتأكيد لن نعطيه حقه.. فهو اكبر من أن تصفه الكلمات... وأفعاله اشمل واكبر من أن تطوقها المعاني...
ولكن في سطور بسيطة.. هذا الرجل بدا نضاله منذ أن وطأت قدمه ارض فلسطين حيث أدرك منذ البداية أن الخطر آنذاك (العشرينيات) هو الاحتلال البريطاني (الانتداب) كونه الوحيد في المنطقة الذي يستطيع تمكين اليهود من بناء دولة لها رقعة جغرافية ولها شعب وجيش ولها نظام سياسي ذو سيادة ..
وأدرك أيضا خطورة دور السماسرة العرب الذين كانوا يستغلون الوضع الاقتصادي السيئ للفلاح الفلسطيني والذي سببه الانتداب البريطاني والاحتلال الصهيوني فكانوا يسهلون عملية انتقال الأراضي من أيدي العرب الفلسطينيين إلى أيدي الصهاينة اليهود...وذلك بقيام سلطة الانتداب بتصفية البنوك التي أنشاها النظام العثماني لمساعدة الفلاحين .. وأيضا عن طريق غلق الحدود أمام الصادرات والمنتجات الفلسطينية مما يؤدي إلى انخفاض أسعارها ودفع الفلاحين الذين ليس لهم حول ولا قوة بالاقتراض من البنوك اليهودية التي لعبت دور كبير من خلال رفع سعر الفائدة والذي يضطر الفلاح في النهاية إلى بيع أراضيه للسماسرة بسعر زهيد وبسعر بخس كي يسدد ديونه التي تثقل كاهله...
فأدرك الشيخ من خلال فهمه للدين فهم جيد وليس تقليدي ومن خلال انفتاحه على تجارب الدول المجاورة ومن خلال حسن اضطلاعه على مجرى الأمور في المنطقة بان هذا الخطر الصهيوني في تزايد وفي تنامي فاخذ من خلال خطبه ومن خلال الندوات والحلقات الدينية بتوعية الجماهير.. وهنا نسجل إحدى أهم مناقبه وهي بعد نظره للأمور ونظرته الثاقبة حيث اعتمد على جذب الشرائح الكبيرة في المجتمع والمكونة من العمال وأصحاب المهن الحرفية والمزارعين الفلاحين والمشردين والعاطلين عن العمل وهي شرائح عريضة لها تأثيرها وقوتها في المجتمع واغلب هذه الشرائح فقيرة.. وفتح مدرسة لمحو الأمية, واتصل بقيادات حزب الاستقلال.. ومن خلال تواضع الشيخ استطاع جذب الجماهير العريضة وكسب حبهم...
ومن إحدى خطبه المؤثرة في مسجد حيفا أن قال:" أيها المؤمنون أين نخوتكم؟ أين أيمانكم؟ أين هي مروءتكم؟
إن الصليبية الغربية والصهيونية اليهودية تريد ذبحكم كما ذبح الأمريكان الهنود الحمر .. تريد إبادتكم أيها المسلمون حتى يحتلوا أرضكم من النيل إلى الفرات ويأخذوا القدس ويستولوا على المدينة المنورة ويحرقوا قبر الرسول(ص)" ..
نستشف من المقطع البسيط من خطبته انه يعرف عن تاريخ أمريكا وما صنعوا الأمريكان في الهنود الحمر وما زالت صورة المجازر في ذهنه ماثلة.. وأيضا يكشف لنا اضطلاعه على مخططات بني صهيون و إيمانه العميق بان مثل هذه المخططات هي محاولات جدية ويعرف عن أطماع اليهود وحدود دولتهم الكبرى.. ويعرف أنهم يدعون ويزعمون أحقيتهم الدينية في القدس ويعرف بأنهم يحلمون بالرجوع إلى ارض الحجاز وكل ذلك ...
كما وكشف الستار عن دور السماسرة وفضح أمرهم حيث أباح دمهم واعتبرهم من الطابور الخامس ونادي بتصفيتهم وبالفعل تم تصفية العديد منهم والبعض فر من فلسطين ...
ومن عبقرية هذا الرجل انه وطد علاقته بالقادة الكبار في دول الجوار وبأشخاص وطنية ومسيحية , فقد حضر السيد حنا عصفور حلقات التوعية التي كان يقوم بها الشيخ عز الدين القسام.. ونجح في الحصول على الدعم المادي من المؤسسات الوطنية.. فقد دعم السيد رشيد إبراهيم الذي كان يعمل في البنك العربي في فلسطين حركة القسام..
وقد استمر الشيخ في مقاومته للاحتلال فترة طويلة إلى أن جاء يوم19/11/1935والذي كان يوم استشهاده حيث طوقت سلطات الانتداب المكان الذي لجا إليه فارا منهم وعندما حاصروه قام بالتصدي لهم ولم يستسلم بل واجههم وقتل ما يزيد عن 15 جندي بريطاني واستشهد هو فيما بعد ومعه البعض من رفقاءه ...
وهكذا كانت نهاية الرجل الذي الحق بالقوات البريطانية الكثير من الأذى والذي بين خطر الصهيونية في جميع المراحل...
حقيقة, لقد مثل القسام القيادة الحقيقية للشعب الفلسطيني وكان رافضا لأسلوب القيادات التقليدية المتخاذلة .. وحيث اعتبر القضية الفلسطينية قضيته الأولى وجسد ضمير الأمة وطموحاتها وآمالها وانتمى لفئة الفقراء ابتدءا من مولده وانتماءا باستشهاده , وحيث مثل استشهاده الشرارة الأولى لثورة 1936-1939 .. فرحم الله الشهيد البطل والقائد الفدائي والثوري المخلص الغيور على بلاده الشيخ الجليل عز الدين القسام.
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:22 PM
تلاميذ القسام يرددون بأنهم قساميون ورفاقه يستعملون كلمة قسامي فيما بينهم
ولد الشيخ عز الدين القسام في بلدة جبلة بالقرب من اللاذقية سنة 1871 وكان منذ صغره يميل إلى العزلة والتفكير، وفي شبابه رحل إلى مصر ودرس في الأزهر وكان من عداد تلاميذ الشيخ محمد عبده. ولما عاد إلى بلاده عمل مدرسا في جامع السلطان إبراهيم وفي سنة 1920 عندما اشتعلت الثورة ضد الفرنسيين شعارك القسام في الثورة، فحاولت السلطة العسكرية الفرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القضاء، فرفض ذلك وكان جزاؤه أن حكم عليه الديوان السوري العرفي بالإعدام.
ولجأ القسام إلى مدينة حيفا في 5 شباط 1922 ولجأ معه من رفاق الجهاد الشيخ محمد الحنفي والشيخ علي الحاج عبيد وحتى سنة 1935 لم يكن سكان حيفا يعرفون عن عز الدين القسام سوى أنه واعظ ديني ومرشد ورئيس جمعية الشبان المسلمين في مدينة حيفا وكان بنظرهم شيخا محمود السيرة في تقواه وصدقه ووطنيته كما كانت منطقة الشمال تعرفه إماما وخطيبا بارعا ومأذونا شرعيا وما جاء يوم العشرين من تشرين الثاني "نوفمبر" سنة 1935 حتى أضحى القسام علما من أعلام الجهاد يتردد اسمه في بلاد فلسطين كلها.
استشهد القسام مع بعض رفاقه وهو يؤدي واجبه في مقاومة السلطة الانتدابية باصطدام مسلح، وهكذا أخلص القسام للثورة التي بدأها وما كان ليرضيه أنه البادئ بالثورة وإنما هي الثورة التي خطط لها وكانت العناوين البارزة في الصحف (معركة هائلة بين عصبة الثائرين والبوليس) و (حادث مريع هز فلسطين من أقصاها إلى أقصاها).
وعلم الشعب لأول مرة أن الشيخ القسام كان قد اعتصم مع إخوانه في أحراش قرية يعبد وكانوا مسلحين ولا يهابون خطر المجابهة مع البوليس ولا عواقبها، إلا أن البوليس كان قد أعد قوة هائلة تفوق عدد الثوار بمئات المرات وكان كقطيع كبير من الجيش مصمما على القضاء على هذه العصابة الإرهابية حسب رأيه فلذلك أحاطت القوات بالمنطقة منذ الفجر ووضع البوليس العربي في الخطوط الهجومية الثلاث الأولى من ثم يليه البوليس الإنكليزي من خلفه، وقبل بدء المعركة نادى أحد أفراد البوليس العربي الثائرين طالبا منهم الاستسلام فرد عليه القسام صائحا "إننا لن نستسلم، إننا في موقف الجهاد في سبيل الله ثم التفت إلى رفاقه وقال موتوا شهداء في سبيل الله خير لنا من الاستسلام للكفرة الفجرة" دامت المعركة القصيرة ساعتين كان خلالها الرصاص يصم الآذان والطائرات المحلقة على ارتفاع قليل تكشف للبوليس موقع الثوار وقوتهم وفي نهاية الساعتين أسفرت المجابهة عن استشهاد القسام ورفاقه الذين معه وهم "يوسف عبد الله الزيباري" و"سعيد عطيه المصري" و"محمد أبو قاسم خلف" وألقى البوليس القبض على الباقين من الجرحى والمصابين.
وقد اكشف البوليس عند نهاية المعركة مع الشيخ ذي اللحية البيضاء والمجندل على التراب بملابسه الدينية مصحفا وأربعة عشر جنيها ومسدسا كبيرا وكان الشيخ نمر السعدي مازال حيا جريحا حيث استطاع صحفي عربي أن ينقل عن لسانه أول الحقائق الخفية عن عصبة القسام وكانت هذه الحقيقة دليلا على أن المجابهة المسلحة هذه كانت بقرار بدء الثورة منهم جميعا.
وعلى إثر معركة يعبد التي استشهد بها القسام وبعدها بعشرين يوما انتهز الوطنيون مناسبة ذكرى احتلال القدس وأقاموا اجتماعا كبيرا في يافا في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1935 اتخذوا فيه قرارات بالثناء على القسام ورفاقه المجاهدين وحث الشعب على المضي على طريقهم الذي رسموه للأمة العربية والإسلامية في فلسطين معلنين أن القسام آمن بشيئين هما العروبة والإسلام وأنه لا سبيل للعرب والمسلمين سوى هذين السبيلين ولا حل لمشكل المسلمين إلا بإعلان الجهاد في سبيل الله ولا حل للقضية لفلسطينية إلا بالجهاد الإسلامي وكانت نظرة القسام إلى الجاه والمركز نظرة بغضاء مطلقا.
منذ أن قدم القسام إلى حيفا بدأ يعمل في الإعداد النفسي للثورة وقد ساعده عدد من المؤمنين بالإسلام ومن هؤلاء الشيخ كامل القصاب وهاني أبو مصلح والأول سوري والثاني لبناني إلا أن القسام تلقن درسا من الحكم العسكري الفرنسي في سوريا أن المستعمرين ملة كفر واحدة ولابد من الجهاد في سبيل الله للتغلب عليهم: وكانت أعماله الخارجية من وعظ وتدريس ستارا لعملية اختيار الصالحين من التلاميذ والمستمعين وكذلك سعى القسام لعقد الصلات مع القرى المجاورة عن طريق مهنته كمأذون شرعي للعقود وهكذا السنوات تمر والأنصار يتكاثرون حتى أذن الله لـه في الثورة والاستشهاد في سبيل الله.
ويرجع المؤرخ أمين سعيد عدم انضمام المثقفين للقسام لأن القسام كان يصرف كل جهده للعمال والكادحين من الفلاحين وغيرهم لأنهم أكثر الفئات انقيادا للتضحية في سبيل الله، وقد عبر عن هذه الحقيقة شاب اسمه حسين الباير الذي استسلم للبوليس إثر المعركة وقال في إفادته الرسمية.
أنا حسين الباير من قرية بلقيس كنت أسرق وارتكب المحرمات فجاءني الشيخ عز الدين القسام وأخذ يهديني يوما بعد يوم ويعلمني الصلاة وينهاني عن مخالفة الشرع وعن فعل كل منكر أمر الله باجتنابه وبعد مدة أخذني الشيخ عز الدين القسام إلى أحد جبال بلقيس وهناك أعطاني بندقية فسألته لم هذه فأجاب لكي تتمرن عليها وتجاهد مع إخوانك المجاهدين في سبيل الله.
ومن هؤلاء أبو دره ( بياع الكاز على الطنبر) وأبو خليل الذي يبيع الفحم والفلاييني الذي يلحم التنك والحديد والذي أصبحت مهنته صنع القنابل البدائية لمهاجة العدو.
ويقول أحد السياسيين الفلسطينين إن ثورة القسام كانت ثورة علينا جميعا شبابا وكهولا إذ كل واحد منا مثقل بعدد كبير من العيال يخاف عليهم من التشريد بعده ولا نشعر أمام ثورته إلا بتبكيت الضمير واحمرار الوجوه سائلين الله أن ينور قلوبنا بالإيمان.
تألفت الخلايا السرية لعز الدين القسام على شكل حلقات سرية مثل حلقات الأرقم بن أبي الأرقم. خمسة أشخاص مسؤول عنهم (نقيب) وكل خمس وحدات منظمة لها نظامها الخاص والمشرف عليها بمختلف المهمات هو القسام نفسه.
لاقت ثورة القشام حين قيامها تأييدا واحتراماً من الشعب بلغ الحد الأقصى وذلك على الرغم من أنها لم تكن ثورة شاملة بالمعنى السياسي والتاريخي للكلمة ولكن يمكن القول بأنها كانت نموذجا مثاليا لما يجب أن تكون عليه الثورة كما كانت، انطلاقتها انطلاقة عقائدية وشجاعة في مرحلة كاد اليأس فيها يعم البلاد والواقع أن القسام لم تكتشف حقيقة الأبعاد النضالية والسياسية لحركته إلا بعد استشهاده بسنوات، وخاصة لأن رفاقه من بعده استمروا في النضال محافظين على السرية التامة لوحداتهم النضالية.
لم يطلق القسام على خلايا الجهاد التي أنشأها اسما معينا، كان هناك فقط شعار عام ينضوي تحت لوائه المجاهدون وتنطوي تحته كل مفاهيم الثورة هذا جهاد نصر أو استشهاد كما روى عنه إبراهيم الشيخ خليل في كتابه ورسالة من مجاهد قديم: ذكريات عن القسام ثم أصبح يقال للمجاهدين من إخوانه بعد استشهاده "القساميون" وشاعت هذه الكلمة في سائر بلاد فلسطين شيوعا كبيرا لأن اسمه اقترن بهالة من الخلود والتقديس فقد كثر المتبركون باسمه، خاصة لأنه كان واعظا دينيا إضافة للإمامة وخطبة المسجد وأصبح تلاميذه يرددون باعتزاز بأنهم قساميون أما رفاقه المجاهدون فكانوا يستعملون كلمة قسامي فيما بينهم وحتى بعد مرور عشر سنوات على استشهاده أو أن هذا من جماعة القسام.
جاءت هذه التسمية على البلاغات الحكومية والأخبار الرسمية حيث دعتهم بالعصابة الإرهابية لكثرة جهادهم واستشهاد الكثير منهم ولكثرة الإصابات في الجيش والشرطة لقوة هذه العصابة وإخلاصها في الجهاد.
إن المشكلة في عدم تسمية القسام للخلايا السرية التي أنشأها باسم الحزب أو اسم اللجنة أو غيرهما من التسميات الشائعة يضاف إلى هذا السرية التامة عن التنظيم وكان ذلك مدعاة لنفي الصبغة التنظيمية السياسية عن عصبة القسام لدى بعض الناس ومن بين هؤلاء عزة دروزة الذي كان ينفي وجود تنظيم أو حزب للقسام وبالتالي رفض اعتبار عصبة القسام إحدى التنظيمات الفلسطينية السياسية، ومن جهة أخرى مغايرة لتزايد عدد الكتاب من عرب وأجانب في السنوات العشر التي تلت ثورته والذين يكتبون عن عصبة القسام حقائق وتفاصيل لا توجد عادة إلا في أكثر الأحزاب دقة تطورا.
مع أن عزة دروزه ليس مؤرخا فقط بالنسبة لقضية القسام بل كان رفيق جهاد في أثناء الثورة الكبرى فقد كان عزة في دمشق كحلقة وصل بين المفتي المقيم في لبنان وقادة الفصائل التي تتبع قيادة القسام وغيره من قواد فصائل الثورة.
فالتشكيلات السياسية بأهدافها ونظمها المختلفة وأعمالها العلنية والسرية كانت تفتقر إلى الكوادر المنظمة والعمل المتواصل وعصبة القسام كانت من أفضلها تنظيما ودراية ونشاطا حيث تنطبق عليها مقاييس المؤسسات الحزبية الحديثة رحم الله القسام فقد فتح بإخلاصه ودينه طريقا عظيما يخلد فيه كل جيل قادم طريقا كطريق القسام ومنهجا كمنهجه.
للشيخ حمدي الحريري
عن مجلة منار الإسلام الإماراتية العدد 4 السنة 15
رسالةفلسطين
11-21-2010, 09:23 PM
http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/alqasssam.jpg
http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/ez2.jpg
http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/ez1.jpg
http://www.alqassam.ps/arabic/special_files/ezz-eldin_alqassam/images/ez3.jpg