الليث اليماني
10-04-2006, 06:26 PM
كان صبحي فتى في السابعة عشرة، شاعراً رقيقاً، حسّاساً، مفرطاً في الحساسية، تؤثر فيه الكلمة الطيبة، وتنفّره الكلمة البذيئة، ويبكي لمشهد يتيم مظلوم، وأرملة تسعى على أطفالها.
كان يصلي الفرائض في المسجد، ثم يعود إلى بيته ليصلي السنن، لأنه يتأذى من ألوان التخلف لدى كثير من المصلين.. كان يقول:
"الأولى بهؤلاء الخطباء أن يعلموا الناس كيف يصلون، فالصلاة عماد الدين، والصلاة أول ما يسأل عنه المسلم يوم القيامة، وهؤلاء الخطباء الذين يخطبون كل جمعة، يشرّقون ويغرّبون، دون الالتزام بموضوع معين، تخرج من المسجد كما دخلت، لم تفهم شيئاً من خطبة الجمعة".
ولهذا كنا نفتش عن الخطيب الذي يحترم نفسه، ويحترم المستمعين إليه من المصلين، فيخطب في موضوع محدّد، يحضّر له، ولا يخرج عنه، ويتحدث بأسلوب سهل يفهمه الناس، ويشدّهم إليه، ويدفع عن عيونهم النعاس والنوم، وإذا خرجوا خرجوا بحصيلة علمية مفيدة، مهما كانت متواضعة.
ووقعنا على ضالتنا، ووجدنا الخطيب الذي يملأ العين بحسن هندامه، والعقل بحسن معالجته لموضوعه، والقلب بروحانيته.
كنا نأتي من بلدتنا البعيدة صباح كل جمعة، من أجل الجلوس في الصفوف الأولى التي تتيح لنا أن نملأ عيوننا بمنظر الشيخ، ولكيلا يضيع علينا فهم كلمة، أو عبارة، أو حادثة، أو معنى، أو فكرة من الأفكار النيّرة التي تحفل بها خطب الشيخ.
استمرّ بنا الأمر هكذا بضعة أشهر، ونحن ننتظر خطبة الجمعة بفارغ الصبر، ونتناقش في كل خطبة، ونسجّل ما نستفيد منها... حتى كان يوم، كم كنت وما زلت أتأذى من تذكره.
جئنا، كعادتنا، إلى المسجد، ونحن نتناقش في قضية لغوية شائكة، وقبل أن ندخل المسجد، شاهدنا شيخنا الخطيب يدخل المسجد، فقلت لصديقي صبحي بقوله:
- ما رأيك في الاحتكام إلى الشيخ؟
قال: هيّا بنا إليه.
سلمنا على الشيخ، ثم قال له صبحي:
- اختلفت مع زميلي في مسألة لغوية..
في هذه اللحظة، تناهى الأذان إلى آذاننا، فقطع الشيخ كلام صبحي:
- اسكت اسكت، أجب المؤذن.
قالها بقسوة، فما كان من صبحي إلا أن يتأخر عن الشيخ خطوات، ثم انطلق يركض باتجاه الباب الخارجي للمسجد.. ناديته، ركضت خلفه، حتى لحقت به، أمسكت بذراعه، وقلت له:
- إلى أين؟
- إلى جهنم..
- ما هذا يا صبحي؟
- لن أصلي بعد اليوم.
- يا رجل!
- كما قلت لك.. اذهب أنت إلى شيخك هذا، أما أنا، فوداعاً لكل المشايخ، ولكل المساجد.
- صبحي.. هل تعرف معنى ما تقول؟
- أعرف أنه سوف يؤدي بي إلى الجحيم، ولكن الجنة التي تحوي أمثال هذا الشيخ الذي أظنه أفضل من كل المشايخ، لا أريدها.. لا أريد أن أكون في جنة فيها ناس بلا ذوق..
كان الجدال عقيماً، حاولت أن أسحبه إلى مسجد آخر لصلاة الجمعة، فتفلّت مني، وانطلق يركض باتجاه الكراج، ليعود إلى بلدته..
حزنت جداً، وبكيت بحرارة، لفقدان هذا الفتى الشاعر الذي كنت أؤمل فيه خيراً كثيراً.
لقيت الشيخ فيما بعد، وحدّثته عن صديقي، فقال:
- فليذهب إلى الجحيم، فهي المأوى اللائق به وبأمثاله.
لكاتبها::::د. عبد الله الطنطاوي
كان يصلي الفرائض في المسجد، ثم يعود إلى بيته ليصلي السنن، لأنه يتأذى من ألوان التخلف لدى كثير من المصلين.. كان يقول:
"الأولى بهؤلاء الخطباء أن يعلموا الناس كيف يصلون، فالصلاة عماد الدين، والصلاة أول ما يسأل عنه المسلم يوم القيامة، وهؤلاء الخطباء الذين يخطبون كل جمعة، يشرّقون ويغرّبون، دون الالتزام بموضوع معين، تخرج من المسجد كما دخلت، لم تفهم شيئاً من خطبة الجمعة".
ولهذا كنا نفتش عن الخطيب الذي يحترم نفسه، ويحترم المستمعين إليه من المصلين، فيخطب في موضوع محدّد، يحضّر له، ولا يخرج عنه، ويتحدث بأسلوب سهل يفهمه الناس، ويشدّهم إليه، ويدفع عن عيونهم النعاس والنوم، وإذا خرجوا خرجوا بحصيلة علمية مفيدة، مهما كانت متواضعة.
ووقعنا على ضالتنا، ووجدنا الخطيب الذي يملأ العين بحسن هندامه، والعقل بحسن معالجته لموضوعه، والقلب بروحانيته.
كنا نأتي من بلدتنا البعيدة صباح كل جمعة، من أجل الجلوس في الصفوف الأولى التي تتيح لنا أن نملأ عيوننا بمنظر الشيخ، ولكيلا يضيع علينا فهم كلمة، أو عبارة، أو حادثة، أو معنى، أو فكرة من الأفكار النيّرة التي تحفل بها خطب الشيخ.
استمرّ بنا الأمر هكذا بضعة أشهر، ونحن ننتظر خطبة الجمعة بفارغ الصبر، ونتناقش في كل خطبة، ونسجّل ما نستفيد منها... حتى كان يوم، كم كنت وما زلت أتأذى من تذكره.
جئنا، كعادتنا، إلى المسجد، ونحن نتناقش في قضية لغوية شائكة، وقبل أن ندخل المسجد، شاهدنا شيخنا الخطيب يدخل المسجد، فقلت لصديقي صبحي بقوله:
- ما رأيك في الاحتكام إلى الشيخ؟
قال: هيّا بنا إليه.
سلمنا على الشيخ، ثم قال له صبحي:
- اختلفت مع زميلي في مسألة لغوية..
في هذه اللحظة، تناهى الأذان إلى آذاننا، فقطع الشيخ كلام صبحي:
- اسكت اسكت، أجب المؤذن.
قالها بقسوة، فما كان من صبحي إلا أن يتأخر عن الشيخ خطوات، ثم انطلق يركض باتجاه الباب الخارجي للمسجد.. ناديته، ركضت خلفه، حتى لحقت به، أمسكت بذراعه، وقلت له:
- إلى أين؟
- إلى جهنم..
- ما هذا يا صبحي؟
- لن أصلي بعد اليوم.
- يا رجل!
- كما قلت لك.. اذهب أنت إلى شيخك هذا، أما أنا، فوداعاً لكل المشايخ، ولكل المساجد.
- صبحي.. هل تعرف معنى ما تقول؟
- أعرف أنه سوف يؤدي بي إلى الجحيم، ولكن الجنة التي تحوي أمثال هذا الشيخ الذي أظنه أفضل من كل المشايخ، لا أريدها.. لا أريد أن أكون في جنة فيها ناس بلا ذوق..
كان الجدال عقيماً، حاولت أن أسحبه إلى مسجد آخر لصلاة الجمعة، فتفلّت مني، وانطلق يركض باتجاه الكراج، ليعود إلى بلدته..
حزنت جداً، وبكيت بحرارة، لفقدان هذا الفتى الشاعر الذي كنت أؤمل فيه خيراً كثيراً.
لقيت الشيخ فيما بعد، وحدّثته عن صديقي، فقال:
- فليذهب إلى الجحيم، فهي المأوى اللائق به وبأمثاله.
لكاتبها::::د. عبد الله الطنطاوي